يعود التفكير في المستقبل إلى تاريخ طويل، إلا أن نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 تُعد تاريخ ميلاد الاستشراف بصيغته العملية والحديثة. فقد ظهرت الممارسة المعاصرة للدراسات المستقبلية خلال النصف الثاني من القرن العشرين عبر مسارين متوازيين: مسار أمريكي وآخر أوروبي. ففي الولايات المتحدة، بدأ الاهتمام المنهجي بدراسة المستقبل بعد الحرب العالمية الثانية، عندما بدأ هيرمان كان في مؤسسة RAND باستخدام السيناريوهات لاستكشاف عواقب الحرب النووية.
كان اكتشاف ما يمكن أن يحدث في المستقبل أحد أكثر الجوانب إثارة في الدراسات المستقبلية. وقد يكون الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية، بما صاحبتهما من تشاؤم وإحباط، قد ساهما في تأخير تطور التفكير المستقبلي كحقل معرفي، إلا أن الحرب العالمية الثانية شكّلت في النهاية دافعًا قويًا للتخطيط؛ إذ أطلقت المملكة المتحدة خطة وطنية خلال الحرب، وتبعتها النرويج وهولندا وفرنسا بحلول عام 1946. وتصدّرت فرنسا الريادة في التفكير المستقبلي خلال خمسينيات القرن العشرين، حيث دفعتها مرارة الهزيمة التي فرضها الألمان إلى إعادة فحص العالم من حولها، وأهدافها، وقيمها. وجاء تأسيس برتران دو جوفينيل لمركز الاستشراف الدولي في باريس عام 1957، ثم إطلاق مجلة Prospective عام 1958، كخطوات لاحقة في هذا المسار.
بعد الحرب العالمية الثانية، أدت توترات الحرب الباردة بين الحلفاء السابقين إلى تنامي الحاجة إلى استباق ما قد يفعله العدو في المستقبل. وكانت تقنية دلفاي إحدى الأدوات التي نشأت من أبحاث الدفاع. وقد طُوِّر هذا المنهج على يد أولاف هيلمر ونورمان دالكي في خمسينيات القرن العشرين داخل مؤسسة RAND، بهدف تحسين عملية صنع السياسات بالاعتماد على آراء الخبراء. وقد أُنشئ منهج دلفاي لمعالجة وضع لاحظته القوات الجوية الأمريكية.
فقد كانت القوات الجوية الأمريكية تجمع بشكل دوري خبراء من القطاع المدني في البنتاغون لتقديم المشورة للقادة العسكريين بشأن التوجهات والمشاريع المستقبلية. غير أن مراجعة محاضر تلك الاجتماعات أظهرت أن الآراء المقدّمة غالبًا ما كانت تصدر عن عدد محدود من الأفراد البارزين وذوي الصوت الأعلى، وليس عن المجموعة بأكملها. وخلص قادة القوات الجوية إلى أنهم لا يحصلون على مشورة تمثل جميع أعضاء اللجنة. وبناءً على ذلك، طوّرت مؤسسة RAND أسلوب دلفاي بحيث يقدّم كل عضو رأيه استنادًا إلى مدخلات بقية الأعضاء كما يلخصها وسيط محايد، دون الحاجة إلى عقد اجتماع وجاهي. وقد مثّل ذلك أسلوبًا منهجيًا للتنبؤ، ويشبه إلى حد ما الممارسات المعاصرة للتفكير الجماعي المنظم.
وفي الوقت نفسه، طوّر هيرمان كان، من خلال عمله في مؤسسة RAND المتعاقدة مع الحكومة الأمريكية، نموذجًا للتعامل مع المستقبل في إطار الاستراتيجية العسكرية. وكان هذا النموذج هو التخطيط بالسيناريوهات، حيث استخدمه كان وزملاؤه لاستكشاف حالات متعددة ومحتملة للأحداث المستقبلية. وكان قادة وزارة الدفاع الأمريكية يبحثون آنذاك عن منهجيات تساعدهم على بناء تصورات حول مستقبلات محتملة.
في بداياته، تمحور هذا الأسلوب حول قيام المحللين بتطوير سيناريوهات تُستخدم في ألعاب المحاكاة الموجهة لصنّاع القرار والاستراتيجيين. ثم تطور لاحقًا ليُستخدم في التطبيقات التجارية. وحتى تلك المرحلة، كان معظم التخطيط الموجّه نحو المستقبل مرتبطًا باحتياجات حكومية أو عسكرية. وفيما بعد، غادر هيرمان كان مؤسسة RAND وأسّس معهد هدسون، حيث أعاد توجيه أبحاثه نحو قضايا المستقبل المتعلقة بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية بدلًا من الموضوعات العسكرية والدفاعية. كما نفّذ باحثو مؤسسة RAND ومعهد هدسون مشاريع لمساعدة الشركات الكبرى والوكالات الحكومية على مواءمة استثماراتها التكنولوجية مع الاحتياجات المستقبلية المتوقعة.
وقد استخدمت شركة رويال داتش شل منهج التخطيط بالسيناريوهات منذ أكثر من خمسين عامًا لدراسة النتائج المحتملة لحرب عام 1967 العربية الإسرائيلية. وأسهمت التوقعات المتعلقة بسلوك الدول المنتجة للنفط في منطقة الشرق الأوسط في توجيه مخططي الشركة، فقاموا بتطوير سيناريوهات تصف خيارات الاستجابة المختلفة، وبدأوا بمراقبة أوضاع الدول المنتجة للنفط. وعندما قررت منظمة الدول المصدّرة للنفط معاقبة الدول الداعمة لإسرائيل، تمكنت شل من الاستجابة بفاعلية بفضل خططها المعدّة مسبقًا. وقد أسهم هذا الاستشراف والاستعداد في انتقال شل من المرتبة السابعة إلى المرتبة الثالثة بين شركات النفط العالمية.
وفي أواخر سبعينيات القرن العشرين، ظهر مفهوم إدارة القضايا الاستراتيجية لدعم عمليات التخطيط المؤسسي والتعامل مع حالة عدم اليقين المرتبطة بالأعمال في بيئة معقدة. وقد تطور هذا المفهوم انطلاقًا من أعمال الباحثة الأمريكية جين إي. داتون والباحث الألماني فرانز ليبل، اللذين ركّزا على التحليل المنهجي وإدارة القضايا الاستراتيجية القادرة على التأثير في الأداء المستقبلي للمؤسسات. كما ظهرت مفاهيم وثيقة الصلة، من بينها البحوث القائمة على النظم، والتركيز على الإشارات الضعيفة، والمسح البيئي، وهي أساليب تساعد على فهم ديناميكيات السوق.
ومنذ ذلك الحين، واصل الاستشراف الاستراتيجي تطوره كأداة فعّالة لتقليل عدم اليقين والمخاطر وجعلها أكثر قابلية للإدراك والتعامل. وقد أدرك المستقبليون المحترفون أن مجرد استباق المستقبل لم يعد كافيًا، وأنه بات من الضروري الانتقال إلى مرحلة إضافية يتم فيها تجسيد المستقبل وتحويله إلى واقع ملموس. وتشير الأدلة خلال العقد الأخير إلى تطور الاستشراف نحو مستويات أعلى من تفعيل المستقبل وتجسيده. ويرى المستقبليون أن أفضل طريقة للتنبؤ بالمستقبل هي جلب أجزاء منه إلى الحاضر، ويمكن تحقيق ذلك من خلال استخدام مجموعة واسعة من مناهج وأساليب الاستشراف.



Leave a Comment