بقلم ✒️ د. فهد الفعيم
دكتوراه في الاستراتيجية وحوكمة الأوقاف.
صلينا في جامع ألماتي الكبير جنوب كازخستان، وقد ساهمت المملكة قديماً في تشييده عن طريق رابطة العالم الإسلامي – مشكورة مأجورة -، وصلينا كذلك مغرب أحد أيام شهر الله المحرم من عام ١٤٤٧هـ في جامع آخر كبير – مرفق موقعه -، يتسع لأكثر من ستة آلاف مصلٍّ، وفيه عدة أقبية، ومواقف للسيارات، وإمامه من طلاب المنح، من خريجي جامعات وطننا المبارك.
والعجيب أن هذا الجامع كان في السابق ساحة قمار! فاهتدى مالكها، ثم هدمها، وأنشئ مكانها هذا الجامع الفريد، ولله الحمد، وبنى بجوار الجامع وقفاً كبيراً يتجاوز العشر طوابق، وهذا الرجل المبارك يكفل آلاف الحجاج سنوياً.
كما أن الأوقاف والمؤسسات الأهلية غير مُعفاة من الضرائب في كازخستان، بعكس قيرغيزستان التي تُعفي من الضرائب، وفيها أعمال خيرية كبيرة، محلية وخليجية، وتحتاج شيئاً من التخطيط الاستراتيجي، وتجويد العمل الرقابي والحوكمة.
ومن آثار مملكتنا المباركة وجود سفراء لهم إسهامات في العمل الخيري في تلك الدول؛ كسفير المملكة في قيرغيزستان، الشهم الأشم، معالي السفير/ إبراهيم الراضي، الذي شرفت بدعوة كريمة منه، واستضافنا في أمسية علمية ماتعة في العاصمة بيشكيك، وشرفت بإهداء كتاب جميل له عن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
إن التشريعات مطلب ملح في تلك الدول، ومن مُلح المطالب التي يحتاجها طلاب المنح عن الأوقاف في بلدانهم: رصد موضوعي، وتحليل متجرد، يعقبه استشراف للمستقبل بسيناريوهات متعددة، وكذا قراءة للقوانين والأنظمة وآثارها التشريعية في بلدانهم، وبناء قاعدة معرفية هرمية يتتابع الطلاب في البناء البحثي والمعرفي لها.
بالإضافة إلى دُربة ودراية لإظهار محاسن الوقف وثماره في بلدانهم، وبيان أثره الممتد في مجتمعاتهم، واتساع إطاره الخيري ودائرته إلى الجانب الإنساني والمواطنة المشتركة، وتعزيز ثقافة المجتمع المدني؛ فتلك المجتمعات يغلب عليها الطابع المادي، وإذا أُظهرت قيمة الوقف وأثره ومآثره، وأُشبعت رغباتهم، فبلا شك ستنداح دائرة الرغبة والإذن للوقف، وتتداعى الهمم لتنظيمه وتشريعٍ محوكمٍ له.
وعلى قاعدة: «إذا أشبعتني ملكتني»، سيكون هناك مدخل لتبني تشريعات تحمي الأوقاف، وتحقق استدامتها، بل واستعادة المعطل والمغيب منها بإذن الله.
ومن الأدوات لتحقيق هذه المبادرة: استثمار طلاب المنح (الطلبة الدوليين)، وربطهم ببرامج الرؤية، وفق مؤشرات أداء قابلة للقياس والتقويم؛ فعددهم بالآلاف في المملكة، ومن عشرات الدول حول العالم، وهم القوة الناعمة؛ كما سطرها جوزيف ناي في كتابه الماتع.
ولعل برامجهم تحد من أطماع توسعية جيوبوليتيكية لدول أخرى، وهناك جمعيات وجهات عدة تعتني بهم في المملكة.
وكذا من سبل التفعيل: استثمار مراكز البحوث الوقفية، وبيوت الخبرة المتخصصة، ومراكز التفكير والتخطيط الاستراتيجي الوقفية، التي أُنشئت مؤخراً، وأشرف بنظارة بعضها، وغيرها من الجهات ذات العلاقة.
هذا، وجزى الله ولاة أمورنا وقادتنا كل خير، على تهيئة سبل الهدى ودعمها.



Leave a Comment